السيد الطباطبائي
62
تفسير الميزان
تحقيق في الماضي ، وتفيد في المضارع التقليل وربما استعملت فيه أيضا للتحقيق ، وهو المراد في الآية ، وحزنه كذا وأحزنه بمعنى واحد ، وقد قرئ بكلا الوجهين . وقوله : ( فإنهم لا يكذبونك ) قرئ بالتشديد من باب التفعيل ، وبالتخفيف ، والظاهر أن الفاء في قوله : ( فإنهم ) للتفريع وكأن المعنى قد نعلم إن قولهم ليحزنك لكن لا ينبغي أن يحزنك ذلك فإنه ليس يعود تكذيبهم إليك لأنك لا تدعو إلا إلينا ، وليس لك فيه إلا الرساهة بل هم يظلمون بذلك آياتنا ويجحدونها . فما في هذه الآية مع قوله في آخر الآيات : ( ثم إليه يرجعون ) في معنى قوله تعالى : ( ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور ) ( لقمان : 23 ) وقوله : ( فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ) ( يس : 76 ) وغير ذلك من الآيات النازلة في تسليته صلى الله عليه وآله وسلم ، هذا على قراءة التشديد . وأما على قراءة التخفيف فالمعنى : لا تحزن فإنهم لا يظهرون عليك بإثبات كذبك فيما تدعو إليه ، ولا يبطلون حجتك بحجة وإنما يظلمون آيات الله بجحدها وإليه مرجعهم . وقوله : ( ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) كان ظاهر السياق أن يقال : ولكنهم ، فالعدول إلى الظاهر للدلالة على أن الجحد منهم إنما هو عن ظلم منهم لا عن قصور وجهل وغير ذلك فليس إلا عتوا وبغيا وطغيانا وسيبعثهم الله ثم إليه يرجعون . ولذلك وقع الالتفات في الكلام من التكلم إلى الغيبة : ( فقيل بآيات الله ) ولم يقل : بآياتنا ، للدلالة على أن ذلك منهم معارضة مع مقام الألوهية واستعلاء عليه وهو المقام الذي لا يقوم له شئ . وقد قيل في تفسير معنى الآية وجوه أخرى : أحدها : ما عن الأكثر أن المعنى : لا يكذبونك بقلوبهم اعتقادا ، وإنما يظهرون التكذيب بأفواههم عنادا . وثانيها : أنهم لا يكذبونك وإنما يكذبونني فإن تكذيبك راجع إلى ولست